محمد بن جرير الطبري

147

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقال بعض نحويي الكوفة : ويكأن في كلام العرب : تقرير ، كقول الرجل : أما ترى إلى صنع الله وإحسانه وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها : أين ابننا ؟ فقال : ويكأنه وراء البيت . معناه : أما ترينه وراء البيت قال : وقد يذهب بها بعض النحويين إلى أنها كلمتان ، يريد : ويك أنه ، كأنه أراد : ويلك ، فحذف اللام ، فتجعل أن مفتوحة بفعل مضمر ، كأنه قال : ويلك اعلم أنه وراء البيت ، فأضمر اعلم . قال : ولم نجد العرب تعمل الظن مضمرا ، ولا العلم وأشباهه في أن ، وذلك أنه يبطل إذا كان بين الكلمتين ، أو في آخر الكلمة ، فلما أضمر جرى مجرى المتأخر ألا ترى أنه لا يجوز في الابتداء أن يقول : يا هذا ، أنك قائم ، ويا هذا أن قمت ، يريد : علمت ، أو اعلم ، أو ظننت ، أو أظن . وأما حذف اللام من قولك : ويلك حتى تصير : ويك ، فقد تقوله العرب ، لكثرتها في الكلام ، قال عنترة : ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها * قول الفوارس ويك عنتر أقدم قال : وقال آخرون : إن معنى قوله ويكأن : وي منفصلة من كأن ، كقولك للرجل : وي أما ترى ما بين يديك ؟ فقال : وي ثم استأنف ، كأن الله يبسط الرزق ، وهي تعجب ، وكأن في معنى الظن والعلم ، فهذا وجه يستقيم . قال : ولم تكتبها العرب منفصلة ، ولو كانت على هذا لكتبوها منفصلة ، وقد يجوز أن تكون كثر بها الكلام ، فوصلت بما ليست منه . وقال آخر منهم : إن وي : تنبيه ، وكأن حرف آخر غيره ، بمعنى : لعل الامر كذا ، وأظن الامر كذا ، لان كأن بمنزلة أظن وأحسب وأعلم . وأولى الأقوال في ذلك بالصحة : القول الذي ذكرنا عن قتادة ، من أن معناه : ألم تر ، ألم تعلم ، للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر ، والرواية عن العرب وأن ويكأن في خط المصحف حرف واحد . ومتى وجه ذلك إلى غير التأويل الذي ذكرنا عن قتادة ، فإنه يصير حرفين ، وذلك أنه إن وجه إلى قول من تأوله بمعنى : ويلك اعلم أن الله ، وجب أن يفصل ويك من أن ، وذلك خلاف خط جميع المصاحف ، مع فساده في العربية ، لما